سوريا

الشبكة السورية توثّق 453 توغلًا إسرائيليًا في سوريا

ف
فريق التحرير7 دقائق للقراءة
الشبكة السورية توثّق 453 توغلًا إسرائيليًا في سوريا
الشبكة السورية توثّق 453 توغلًا إسرائيليًا في سوريا

دمشق، 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026 – أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اليوم تقريرًا يوثّق العمليات العسكرية الإسرائيلية والانتهاكات المرتبطة بها داخل الأراضي السورية، خلال الفترة الممتدة من 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026. ووثّق التقرير ما لا يقل عن 453 عملية توغل بري، تركزت في محافظتي القنيطرة ودرعا، وبدرجة أقل في ريف دمشق، إلى جانب مقتل ما لا يقل عن 69 شخصًا وتسجيل 162 حالة احتجاز تعسفي على الأقل. وتشكّل هذه الأرقام حدًا أدنى من الوقائع التي تحققت منها الشبكة وفق منهجيتها المعتمدة، بالاستناد إلى قاعدة بياناتها الخاصة بالانتهاكات، والرصد الميداني، وشهادات الشهود، والمصادر المفتوحة والرسمية.

وخلصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن عمليات التوغل الموثقة، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، والهجمات المتكررة داخل الأراضي السورية، تمثل انتهاكًا لسيادة سوريا وسلامة أراضيها. كما أكدت أن قانون الاحتلال ينطبق في المناطق التي تمارس فيها القوات الإسرائيلية سيطرة فعلية على أجزاء من جنوب سوريا، متى توافرت شروط تطبيقه، وفي حدود النطاق الجغرافي الذي تشملُه تلك السيطرة.

وأظهر التقرير تحولًا في طبيعة العمليات الإسرائيلية، من توغلات محدودة بالقرب من خطوط الفصل إلى دخول متكرر إلى قرى وبلدات مأهولة بالسكان، ترافقت معه انتهاكات وممارسات طالت المدنيين، شملت القتل والإصابة والاحتجاز، ومداهمة المنازل، والاعتداء على العاملين في الإعلام والقطاع الطبي والمجال الإنساني، بمن فيهم أفراد من طواقم الهلال الأحمر العربي السوري. كما وثّق التقرير حوادث قصف وإطلاق نار عشوائي، وممارسات أخرى ارتبطت بعمليات التوغل البري وتداعياتها على السكان المحليين.

وأشار التقرير إلى أن هذه الانتهاكات تزامنت مع تصريحات وتحركات سياسية وعسكرية إسرائيلية تعكس توجهًا نحو ترسيخ الوجود العسكري داخل الأراضي السورية. وشملت هذه التحركات زيارات متكررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، برفقة مسؤولين وضباط إسرائيليين آخرين، إلى مواقع عسكرية أنشأتها إسرائيل داخل سوريا بصورة غير مشروعة، فضلًا عن تصريحات متكررة بشأن نية الإبقاء على القوات الإسرائيلية في تلك المناطق ومواصلة السيطرة عليها.

حصيلة القتلى والاحتجاز التعسفي

وثّقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 69 شخصًا ضمن فئات منفصلة بحسب السياق الميداني والقانوني، شملت مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وثلاث نساء، وأشخاصًا قُتلوا خلال اشتباكات، وعناصر من قوات وزارتي الدفاع والداخلية قُتلوا في غارات جوية.

وضمن هذه الحصيلة الإجمالية، وبعد استبعاد حالات التكرار وتصنيف الوقائع وفق سياقها الميداني، وثّقت الشبكة مقتل شخص واحد نتيجة إطلاق نار مصدره إحدى النقاط العسكرية التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية في محافظة القنيطرة، إضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 29 شخصًا خلال عمليات التوغل البري والقصف الجوي والأرضي المرتبط بها، توزّعوا على 15 شخصًا في درعا، و13 في ريف دمشق، وشخص واحد في القنيطرة.

كما سجّلت الشبكة، بصورة منفصلة، مقتل ما لا يقل عن 39 شخصًا في غارات جوية، بواقع 25 في السويداء، وستة في ريف دمشق، وثلاثة في دمشق، وثلاثة في درعا، واثنين في القنيطرة. وترتبط حصيلة القتلى في السويداء بالهجمات التي وقعت في سياق التوترات التي شهدتها المحافظة خلال عام 2025، من دون أن يتضمن التقرير سردًا تفصيليًا لكل حادثة أسهمت في هذه الحصيلة.

وفيما يتعلق بالاحتجاز التعسفي، وثّقت الشبكة 162 حالة، شملت 20 طفلًا وعاملًا في المجال الإعلامي، وأشارت إلى الإفراج عن 127 محتجزًا، في حين لا يزال مصير 35 شخصًا مجهولًا لدى الشبكة وذويهم. وتوزعت الحالات المسجلة على 115 حالة في القنيطرة، و37 في درعا، وعشر حالات في ريف دمشق.

ونُقل عدد من المحتجزين إلى مواقع ونقاط عسكرية إسرائيلية أو إلى الجولان السوري المحتل. وأُفرج لاحقًا عن نسبة كبيرة منهم من دون توجيه اتهامات أو اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم، بينما استمر الغموض بشأن مصير آخرين لفترات متفاوتة.

ومن بين الحالات التي وثّقها التقرير، اعتقال محمد مروان قريان من منزله في قرية الدواية الكبيرة بريف القنيطرة، فجر 28 نيسان/أبريل 2025. وحصلت أسرته لاحقًا، عن طريق منظمة «هموكيد»، على معلومات تفيد بأنه كان محتجزًا في سجن نفحة.

وفي حالة أخرى، فُقد أثر شادي قاسم زينة، الذي كان دون الثامنة عشرة من عمره، في 29 تموز/يوليو 2025، عقب خروجه من منزله في بلدة كناكر بريف دمشق. وأبلغ أحد المحتجزين المفرج عنهم لاحقًا أسرته بأنه كان محتجزًا مع شادي، وأنه شاهده في سجن عوفر. وأورد التقرير إفادتين من ذوي المحتجزين توثّقان ملابسات اعتقالهما.

وقال فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان:

«ما تشهده سوريا يتمثل في نمط متصاعد من التوغلات العسكرية الإسرائيلية، وفرض السيطرة الفعلية على أجزاء من الأراضي السورية، إلى جانب الهجمات الجوية والأرضية وعمليات الاحتجاز والإضرار بممتلكات المدنيين ومصادر رزقهم. وتشكل هذه الممارسات انتهاكًا خطيرًا لسيادة سوريا، وتفاقم حالة عدم الاستقرار داخل البلاد وفي المنطقة، كما تسهم في استمرار دوائر التوتر والعنف، وترفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع في منطقة تعاني أصلًا من نزاعات متراكمة.

ولا يجوز لإسرائيل الاستناد إلى اعتبارات أمنية لتبرير فرض وقائع عسكرية داخل أراضي دولة أخرى أو تجاوز أحكام القانون الدولي. فحماية الأمن لا تتحقق بانتهاك سيادة الدول أو توسيع نطاق الاحتلال أو تعريض المدنيين للخطر. وإن استمرار هذه العمليات في ظل غياب استجابة دولية فعّالة يرسخ سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، ويقوض القواعد القانونية الدولية التي تحظر استخدام القوة وتكفل حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة».

الأضرار التي لحقت بالمنشآت المدنية والبيئة

وثّقت الشبكة ما لا يقل عن 22 حادثة طالت مراكز ومنشآت مدنية حيوية، من بينها مدرسة ومسجد. وشملت الوقائع اقتحام مدرسة في قرية الحرية بريف القنيطرة الشمالي وتخريبها في 15 حزيران/يونيو 2025، فضلًا عن إلحاق أضرار بمسجد الرحمن في بلدة بيت جن بريف دمشق، نتيجة قصف إسرائيلي أعقب عملية توغل في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.

كما وثّقت الشبكة هدم ما لا يقل عن 15 مسكنًا مدنيًا عقب توغل في قرية الحميدية بريف القنيطرة، إلى جانب أعمال تجريف واسعة في محمية جباتا الخشب الطبيعية شمالي المحافظة يومي 17 و18 تشرين الأول/أكتوبر 2025. وسجّلت كذلك رش أراضٍ رعوية في القنيطرة بمادة لم تتمكن من تحديد طبيعتها، في أواخر كانون الثاني/يناير 2026.

وأشار التقرير أيضًا إلى رصد استئناف القوات الإسرائيلية، في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعمال التجريف غرب قرية العشة وبلدة الرفيد، في المنطقة المعروفة بمشروع خط «سوفا 53».

الغارات الجوية والهجمات البرية

بالتوازي مع التوغلات البرية، وثّقت الشبكة مئات الغارات الجوية الإسرائيلية في محافظات دمشق وريف دمشق وحماة واللاذقية وحمص وطرطوس والسويداء وإدلب.

ومن أبرز هذه الهجمات نحو 16 ضربة استهدفت مطار حماة العسكري في 2 نيسان/أبريل 2025، وأسفرت عن تدمير ما لا يقل عن عشر طائرات. كما استهدفت ضربة إسرائيلية منطقة قرب القصر الرئاسي في دمشق في 2 أيار/مايو 2025، من دون تسجيل خسائر بشرية أو أضرار مادية تُذكر.

وفي 16 تموز/يوليو 2025، استهدفت ضربات إسرائيلية مبنى قيادة الأركان العامة في ساحة الأمويين وسط دمشق، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم امرأة، وإصابة ما لا يقل عن 34 آخرين.

ووثّق التقرير أيضًا هجمات برية إسرائيلية باستخدام المدفعية والدبابات، من بينها مقتل مدني إثر إصابته بقذيفة دبابة في منطقة الزعرورة بريف القنيطرة الجنوبي، في 3 نيسان/أبريل 2026. وترافق استمرار هذا الوجود العسكري مع تصريحات إسرائيلية رسمية، من بينها تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي، في 25 آب/أغسطس 2026، أن القوات الإسرائيلية ستواصل انتشارها في مواقع داخل الأراضي السورية.

التقييم القانوني

قيّمت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الوقائع الموثقة في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وأكدت أن قانون الاحتلال ينطبق، متى توافرت شروطه، في المناطق التي تمارس فيها القوات الإسرائيلية سيطرة فعلية ويمكنها ممارسة هذه السيطرة، استنادًا إلى المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949.

وأشارت الشبكة إلى أن هذا المعيار أكدته محكمة العدل الدولية في فتواها بشأن الجدار الصادرة عام 2004، وفي حكمها لعام 2005 في قضية الأنشطة المسلحة في أراضي الكونغو، المعروفة بقضية جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا. ويترتب على انطباق قانون الاحتلال التزامات قانونية محددة تقع على عاتق القوة القائمة بالاحتلال.

كما يثير نقل الأشخاص المحميين من المناطق الخاضعة للاحتلال مسائل قانونية في ضوء المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل القسري أو الإبعاد للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة. ويتطلب تحديد مدى انطباق هذا الحظر تقييمًا يستند إلى ظروف كل حالة ووقائعها.

وتظل العمليات العسكرية خاضعة لمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. كذلك يوفر القانون الدولي لحقوق الإنسان حماية موازية في المناطق التي تنشأ فيها الولاية القضائية نتيجة السيطرة الفعلية، بما يشمل الحق في الحياة والحماية من الاحتجاز التعسفي.

وأضاف التقرير أن الحالات التي يعقب فيها حرمان شخص من حريته على يد موظفي الدولة رفض الاعتراف باحتجازه، أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده، قد تستوفي، بحسب ظروف كل حالة، تعريف الاختفاء القسري الوارد في المادة الثانية من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

وفيما يتعلق باستخدام القوة، خلصت الشبكة إلى أن النمط الموثق من العمليات نُفذ من دون موافقة سورية أو تفويض من مجلس الأمن، وأن الوقائع المتاحة لا تثبت وجود أساس كافٍ للاستناد إلى استثناء الدفاع عن النفس لتبرير هذا النمط الممتد من العمليات. وبناءً على ذلك، ترى الشبكة أن هذه الممارسات لا تتوافق مع المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة، ولا مع مبدأ احترام السيادة والسلامة الإقليمية للدول، الذي أكد عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 (د-25) لعام 1970.

كما أشارت الشبكة إلى تأكيد قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) أن وجود القوات الإسرائيلية وأنشطتها داخل منطقة الفصل يشكلان انتهاكًا لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وقال فضل عبد الغني:

«ندعو إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية داخل سوريا، وإنهاء التوغلات والوجود العسكري غير المشروع، والإفراج عن جميع المحتجزين تعسفيًا، والكشف عن أماكن وجودهم وظروف احتجازهم. كما ندعو مجلس الأمن والأمم المتحدة إلى عدم التعامل مع هذا النمط من الانتهاكات باعتباره أمرًا واقعًا يمكن تطبيعه أو التسليم باستمراره. فالإفلات من المساءلة لا يهدد السوريين وحدهم، بل يسهم أيضًا في تأجيج الصراع وتقويض فرص تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة بأسرها».

شارك: